شرشبيل/محمد بن سنوسي

 شرشبيل/محمد بن سنوسي


من سيدي بلعباس - الجزائر

جميلة فعلا بعض الأسماء وهي ترسم الابتسامة المشعة المنبعثة من دهاليز الذكريات كلما طفت للسطح بسحرها المبهر الذي يعيد رسم فترة الصبا وأيام الصفاء والنقاء. بالأمس فقط تلخص الشر كله في شرشبيلوهو يكيد للسنافر .فكنا نرى العالم أفضل من دونه ونحن نشحذ كل آليات التعاطف مع ضحاياه أملا في إحقاق الحق ونصرة الطيب المظلوم. وقتها جسد شرشبيل مع أشباهه دور العدو رقم واحد لنا فكنا نقطب الحواجب في كل إطلالة له ونلوح بأيدينا لكف شره أو على الأقل السعي لإستنطاق الزاوية الطيبة التي تحكم مشاعرنا يومها.

ومع توالي السنون وجراحات الحياة وهي ترسم على لوحه المسيرة الدروس والمواعظ تلمسنا بنخاع ولباب عقولنا أن الشر لا يمكنه أبدا أن يتلخص في بشر أو شخصية سواء كانت كرتونية أو وهمية ابتدعها أحد الأذكياء. بل في الواقع هو ذاك السم الزعاف الذي ينخر العلاقات البشرية مؤسسا جمهوريته الخاصة التي تتخذ من الفرقة ميثاقا ومن الخصومات منهجا يملي تعاليمه بواجب كره بعضنا للبعض الآخر. فزمان صفاء القلوب كان البلد بيتا واحدا يفرح أهل المشرق لابتسامة أهل المغرب ويتألم أهل الوسط لجرح صبي في الجنوب و بين الحنايا تعبر نسائم المواسم على المباشر لترتسم شواهد الفرح وتسمو تعاليم الهمم بين قمم الحياء وسهول القناعة وشموخ سادة القوم بلباسهم الأبيض الذي يعكس نقاء سريرة ألفها التاريخ بخيوط الجواهر برغم اللباس الرث وأمعاء لطالما قرقرت حفاظا على قوافي وحدة الصف ونبذ الخلافات والذود عن العرض.

فالشر الحقيقي هو تصرف ذاك الإمعة المستمع لإرساليات الزوايا الخبيثة في النفس البشرية التي إحتقرت لدرجة التدمير الروابط الأسرية والأخوية والمجتمعية بفعل خضوعها التام لتعاليم الماديات فراحت تغوص بلا مسؤولية في النميمة واحتراف الإيقاع بين الناس ضاربة عرض الحائط تاريخا مشرقا صنعته القلوب البسيطة. هو ذاك المتحرر من ميراث الأجداد وتعاليم الدين الحنيف بآياته المنيرة الحاثة على وحدة الصف ونبذ الخلافات والفرقة الحقيرة المقيتة تماما كما أرشدت الأحاديث النبوية لإقامة أسس المجتمع على عطور وعبارات الحسرة والتألم لألم الجار والأخ والصديق وإعلاء لواء الأخوة كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا و في المواسم اللاهبة تسجل البشرية تدخل أولي الألباب بالحكمة والموعظة الحسنة لفض كل خلاف بغرض وأده في المهد قبل التوسع على حساب الأخضر واليابس.

فمن وقف بطاهر الجوارح في محراب الخير بعد تفعيل نداء الله للصلاح هبت بكيانه نسائم الفضائل المنبعثة من دفات التاريخ المشرق مساهما بذلك في رص الصفوف والتعالي على أشواك الفتن ومن إنغمس في روحانيات المحراب و أخذ بحكم المارين إرتقى لأسمى المراتب الإنسانية و إنضم بكل إقتدار للذين يذكرهم المجتمع بأبهى صور الخير و ينقش حروف أسمائهم في دواوين الصالحين تماما كما حفر شرشبيل إسمه في عقولنا.

محمد بن سنوسي

من سيدي بلعباس - الجزائر


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضوء من الغياب /الشاعر المغربي بالمهجر د.الحسين كحيل (من أكادير)

الشِّعرُ والنثر حَول : ".. ورَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا "☆ (بقلم : محمد وهيب علام ☆و☆الأديبة حليمة بلبل)

نور في القلب يسطع/بقلم سعاد سعدي