رسالة من بطن الحوت/سمر دوغان_ لبنان_
رسالة من بطن الحوت
ليس مهمًّا إن حملتِ يومًا جنينًا... ثمرةَ عذابٍ تجاوز السنين، والدمع فوق وسادةٍ لن تقرأكِ يومًا... ووخزَ الإبر وانتظارَ التحاليل... كم مرةٍ رسبتِ في الامتحان، وكأنكِ بلدوزر لا يلين... تستمرين فقط لأنها تجسدت في هذا الحلم... تسمعين العرّافة في الليل تهمس سرًّا: سيطول الانتظار، وإن قطفتِ الوردةَ يومًا، ففي يومٍ آخر ستموتين وحيدة.
ستقرئين المعوّذتين والبسملة... ستصلّين الفجر وتختِمين ليلكِ في الوتر، صامدةً فوق هضبتكِ، تنتظرين بزوغ الشمس.
ويومًا سترفعين من صُلب رحمكِ ودمكِ ودموعكِ وردةً لا تشبه الآخرين. سترتمين فوقها لحافًا يزرع بعض الدفء في الزمهرير. سترسمين لها الخيولَ على الجدران، والنجومَ عند السقف الوحيد الذي سيضم صورتها فوق السرير... ستروين عطشها بقصص الجانِّ كي تمتطي فرسها فوق موج الشطآن.
هل تكحّلت عيناكِ بضحكتها؟ نعم، وفرحتِ كثيرًا... حسنًا، حان موعد رحلات العذاب الطويلة.
ستتلمّسين كل الطرق في التربية، وتقرئين الكتب والمقالات، وستكونين الطبيبة عندما ترتفع حرارتها، وتُداوين جروحها إن سقطتْ على الحجر، وستحبسين الدمع كثيرًا كي لا تبكي معكِ، وترفعين لها غيمَ الضحكات عند الألم فتنسى الوجع.
ستقرئين لها القصص بكل اللغات، فهي لا تحب الأحرف السوداء على الصفحات الصفراء، فترسمين لها عالمًا من الأجنحة تطير به الكلمات فوق السطور...
وستجبرين نفسك على أن تقرئي كل أصول الرياضيات والتمارين المكعّبة، وتحولينها إلى لعبةِ خرزٍ أو حبوبِ حمصٍ على الطاولة التي قهرتها العدادات وهي تحسب عدد الساعات...
وستصنعين ساعةً من قطعة كرتونٍ وعقاربَ تتحرك يمينًا وشمالًا، علّها تعترف بالوقت وهي لا تقدّر الزمن إلا باللهو والقفز من صخرةٍ إلى غصن... فترمقكِ بنظرات التعب من اللوح والمسطرة... ولكنكِ ستحبينها كما هي، وستعترفين بأنها لا تشبهكِ، ولكنها جميلة.
سترفعين رغباتها فوق كاهلكِ يومي السبت والأحد، وتتراقصين معها في هواياتٍ كثيرة كالرقص والجمباز.
وردتُكِ ستنمو بين السهول والأشواك، تنتابها الكوابيس في مراهقةٍ تعرفين جروحها وتخافين ندوبها.
ستطردين عنها الشبح الذي يطارد أنفاسها في سهادها، وترفعين لها مهدَ الحماية كي تنام... وستستفيق امرأةٌ بعد سنين، قويةٌ تروي قصصها بمزحةٍ شريرة، وتضحك من خطواتها المتعثّرة، وتصبحين تلك الأذن التي تسمع كثيرًا وتتكلم قليلًا.
لقد حان موعد الصمت...
ستقفين عند تلك التلة المقابلة لجبلها العالي، تنتظرين أن تقطع ذاك الجسر الخشبي الضيّق فقط لعناقك، وهي تهمس: "أنا رسالتكِ من بطن الحوت."
لا أعرف إن كنتِ ستنتظرين كثيرًا!

تعليقات
إرسال تعليق