أحمد بو قرّاعة: تونس أيُّهُمَا...؟
أحمد بو قرّاعة: تونس
أيُّهُمَا...؟
غادَرَ منزِلَهُ المجاور للمسجد الجامعِ و طَوَى ورقةً أسكَنَهَا جيْبَهُ فيها:
"و العمْرُماضٍ نحو حَفْرٍ ضيّقٍ
يَأْبَى المَشِيبُ للرّبيع مَوْعِدَا
فاخْتَرْتُ قبري أَنْحَتُ فيه الهوى
عَلَّ الحفِيرَ لوْ تزُوري أنْشداَ
للَّهِ أَشْكِيكَ فؤادا ظــــــــــــالمًا
حمَّلْتَ شَيْبِي و شبابي النَّكَدَا"
و مشى في الشارع ليس يدري أين تسْرحُ قدماه و يستريح فكره و ترضى نفسه بما فات و بما هو آتِ.واستوقفه صوتٌ دنا منه يقول:"تبارك الله أستاذي شابًّا ما زلتَ و قد مرّتْ ثلاثون سنة و كنْتُ أنا في نصفها و كنتَ في مِثْلِهَا "
و نشطت في الأستاذ ذاكرة فتعرّف إلى تلميذه و رحّب به.و ظلّ الرّجل التلميذ فَرِحًا بأستاذه يحادثه ينظُر فيه بعين قديمة و لسَانٍ جديد حفظ بعض الغزل
:"شابًّا تظلّ ،
منتصب الفامة تمشي ،
مرفوع الهامة تمشي ،
في كفّك قبضة الزّمان ،
و على كتفك نعشه
و أنت تمشي .
ظلّت الأعوام طريقك
و ترفّقت الأيّام بجسدك
فَبَصَرٌ سليم
و خدٌّ مليح..."
و كاد المعلّم رَأَى في تلميذه معروفا بالجميل أبداه و بالإحسان أظْهَرَهُ فشكره بِ"واخفض لهما جناح الذلّ من الرّحمة .."وافترقا.
و عاد المعلّم إلى بيته يكاد طرب يستخفّه و وهم بالشباب يملؤه كلّما خطَّ حرفًا في شعر المجانين فتهرب نفسه من عقال وعقار و تنفلتُ نفسه من حاضر شابَ و شاخَ إلى ماض كان قد شبّ و أزهر و يأبَى جَسَدُهُ جرعة دواء مُرٍّ لقلبٍ تراختْ دقَّاته فأبطأَ الحركةَ و أثقَلَ الخُطى ليسْتَرِدّ غير واهم حركات خفيفة و سريعة .
وقف أمام المرآة فرأى تلميذه إلى جواره فحاول رفع رأسه علّها تنتصب على كتفيه فأحسَّ بألم شديد في عنقه ، واجتهد ينفخ في صدره ليبرزه فأوجعته كتفاه ، وما استطاع ظهرهُ استقواء على الإستواء.
و نظر في وجهه فاحتار أيّ عضو يمْكنُ استصلاحه ،و هل تحسن العين بترميم الخدّ و إصلاحه أم يُصقلُ الخدّ بترقيع العين و شدّ أعلاها إلى حاجبها. و أَرَى كفّه للمرآة فرأى في ظاهر يده خمسة أعواد رقيقة ما شدّ مفاصل العود منها سوى الصّقيع نَفَّخ جلدتها .و قرّب كفّه للمرآة فإذا هي فارغة و أشبه بلوحة فنّية سرياليّة نُقِشَت و حُفِرت فيها خطوط كثيرة مبهمة ، و حدّق في خيال تلميذه و قال:"أيّهما أنا"و الشعراء يتبعهم الغاوون ..." أم "وهن العظم منّي واشتعل الرأس شيبا..."
و ظلّ واقفا عين إلى تلميذه خيالا و أخرى في المرآة ، و لولا أنّه قد سمع صوتا صادرا عن مئدنة المسجد يَحُضُّ النّاس على صلاة جنازة ميْت لمكث كذلك قلبا يسأل و فكرا لا يُجِيبُ.
وترك البيت إلى الجنازة .ناس كثيرون يتقدّمهم نعش محمول على الأكتاف .صمت كالغيم الثّقيل يخترقه أحياتا صوت حزين يردّد :"بدّلوا يرحمكم الله..." و مشى ليس يدري أيّهما المقدّم على الآخر .الموت أم الحياة. و تحلّق النّاس حول القبر ، حفرة و إلى جنباتها ترابها ، واستقبل الميْت رجلان يمدّدانه و يسوّيان رأسه إلى القبلة و النّاس يتزاحمون حول تلك الحفرة تدفعهم مصيبة الفراق و غيَّبتْ أجسادُ النّاس الضّياء حتّى كادت الظّلمة تستر أقدام الرّجلين و توسّعت تلك الظّلمة لتنفتح على نور شمس بعيدة يحاذيها بدر تحتهما نجوم كأنّها مصابيح معطّلة تلمع و تنطفىء.شوارع طويلة و فسيحة بها مارّة كثيرون لهم أفواه واسعة تخرج منها ألسنة طويلة كالحبال المشوّكة تتخاصم و آذان كبيرة متحرّكة ،كلّما تحرّكت أذن في اتّجاه تبعها لسان تفرّع إلى ألسن كثيرة تمتدّ نحو كلّ الجهات . مارّة ليس في رؤوسهم سوى تلك الآذان و الألسن : ملقاط و بوق. و إلى حافّة الشوارع حُفَرٌ كثيرة كلّما أطلّت أحيانا جمجمة يسطع منها دخان كبريق النور جاءتها حجارة فكسّرتها و ضاع نور دخانها،و قد يظهر قفض صدريّ تعوّجت أضلاعه من كمد و ضيق يطلق نفسا أو يبحث عنه فيأتيه مهراس يدرسه درسًا و هرسًا و مرسًا.و يحاول عظم ساعدٍ أن يرفع عنه اللّحد فتجتمع عليه كلّ اللّحود و يسعى أن يربط عظام أصابعه إليه فلا يستطيع .و تنفخ الحفرة ريحًا كريهة فيتحوّل كلّ ذلك إلى حفنة رمادٍ.
وظلّ يمشي في تلك الشّوارع يحاذر الحفر و يخافها بين ناس يعرفهم عاش فيهم و معهم و منهم ،في عيون بعضهم قهقهة سخيفة كالرّضى و في أخرى غضب كشعلة نار ووراء النّاس سيف يمسكه سخيف و قدّامهم سوط يحمله تافه ضعيف .
و همزه واقف إلى جواره أن أرفع كفّيك تضرّعا فسمع أحدهم يقول :" اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنّة و أبدله دارا خيرا من داره ...وآمين..."ففعل ثمّ التفت إلى محاذيه و قال :" أيّهما نحن" فلم يفهمها عنه .ولمّا سأل عن المقبور قيل له إنّه ابن الرّاوندي الخمّار القمّار.فضحك ضحكة فلقا رعدا .ثمّ التفت إلى المشرق فإذا المغرب يأكله و يلقيه هباء منثورا.و مشى ليس يدري أيحمل نعشا أم هو المحمول.
📷
📷
4Vous, مهدية أماني الرغاي, محمد باسنبل et 1 autre personneToutes les réactions :

تعليقات
إرسال تعليق