التعايش السلمي للعيش بسلام بقلم :ماهر اللطيف (تونس 🇹🇳)
التعايش السلمي للعيش بسلام
بقلم :ماهر اللطيف
(تونس 🇹🇳)
كانت تائهة وسط الزحام، وسط هذا الكم الهائل من المترجلين الذين لا تهدأ أقدامهم عن الذهاب والإياب وكأنه يوم الحشر وشاهق البناءات وناطحات السحاب تطوق المكان من كل جانب.
فكانت لا تعلم مكان توقفها ولا طريق خلاصها وعودتها من حيث أتت ولا سبب وجودها هنا، وحيدة في هذا الظرف بالذات بعد أن كانت مدججة بفيالق من الناس رافقوها في هذه النزهة الصباحية إلى هذا الفناء الشاسع .
فكل ما كانت تفعله هو ابتلاع ريقها وتكرار إشارات يديها للمارة حتى يعيرونها أدنى اهتمام ويرشدونها طريق السلام لتعود إلى نزل اقامتها في أفضل الظروف (وقد جاءت إلى هذا البلد الأوروبي المشهور في رحلة منظمة مع مجموعة كبيرة جدا من الزملاء والأصدقاء من كافة اصقاع البلاد في هذه العطلة الصيفية) ،لكنها لم تفلح في ذلك بما ان الجميع هنا يسرع الخطى دون أن يلتفت يمنة او يسرى او يتوقف للتحدث مع أي كان....
وفي الاثناء، تمكنت فعلا من التحدث إلى شخصين في اوقات مختلفة، لكنها لم تستطع التواصل معهما رغم استنجادها بالاشارات وما تعرفه من فرنسية وانجليزبة إلى جانب العربية لانهما روسيان لا يتقنان غير اللغة الروسية، مما زاد من توترها وقلقها وقد تقدم الوقت وشارف الظهر على مغادرة سماء موسكو.
فلم تجد حلا غير مواصلة محاولاتها والبحث في كل مكان عن اي عربي مهما كانت جنسيته يمكنه أن يخرجها من مأزقها هذا قبل أن يظلم المكان ويقفر ولا تعرف وقتها مصيرها ولا وجهتها او نهايتها...
وبعد فترة زمنية قصيرة، عثرت على شخص أسمر البشرة، ملتحي، اسود الشعر والعينين، أنيق الملبس ومتوسط الطول، فجرت نحوه وهي تبتلع ريقها باستمرار وقوة وتلهث لهيثا متواترا إلى أن وقفت أمامه ومنعته من المرور بطريقة مرنة وسلسة لا تنم على سوء تربية او احترام لمخاطبها، فنظرت في عينيه نظرة الغريق ومسكت يده مرة واحدة كمسك الخشب للنجاة من الغرق وقالت بصوت مرتفع سمعه كل من مر بجانبهما مما جعله يلتفت إليها استغرابا او استنكارا لهذا التصرف او غيره:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- (وهو يرفع القبعة عاليا احتراما وترحيبا بمخاطبته) شالوم
_ (مقاطعة بصوت عال ومتقهقرة إلى الوراء خطوات بسرعة) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (ومخاطبها يقهقه قهقهة سخرية واستهزاء) سامحني فأنا لا اتعامل مع اليهود (وهمت بالانصراف حين مسكها من يدها بلطف وهو يبتسم في وجهها قائلا)
- صدمت، خفت، ترددت، تراجعت إلى الوراء ثم استعذت من الشيطان ولم احرك ساكنا، بل ضحكت وقلت بيني وبين نفسي " هذا موقف متكرر ومعهود كلما اعترضني عربي"، لكن ترفضين التحدث اليّ وقد بادرت بذلك لمجرد اني يهودي فهذا ما لا اقبله وانتظر منك إجابة
- (وقد تصبب عرقها وخافت خوفا شديدا) المعذرة يا هذا عليّ مغادرة المكان في أسرع وقت قبل حلول الليل (متقطعة الحروف وقد شارفت على الهرب لولا مسكه ليدها) والعودة إلى النزل
- (مبتسما وقد لاحظ اضطرابها وتوترها) ما اسم النزل؟
- (مقاطعة بشدة) وما يعنيك؟
ثم نفضت يدها بقوة وغادرت المكان جارية بسرعة وهي تلتفت اليه من حين لآخر خوفا من ملاحقته لها إلى أن غاب عنها وازداد موقفها تعكرا وصعوبة بعد أن دخلت انهجا وازقة جديدة لا تعرف الخروج منها البتة.
ومنها،رأت شخصا آخر تظهر عليه علامات الانتماء إلى الأمة العربية من سمرة بشرة واسوداد الشعر والعينين وبدانة البطن وكثرة الالتفات إلى الجنس الآخر ومعاكسته لهن من حين لآخر، فاتجهت إليه وقد تركت بينها وبينه مسافة متر او يزيد خيفة ردة فعله او تهوره وغيرها وقالت:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
- (نظرا إليها نظرة حادة وغير بريئة من فروة رأسها إلى أصابع قدميها البارزة من نعلها الصيفي وهو يقلبها من كل جانب) مرحبا اختاه
- (تبتلع ريقها وقد تضاعفت دقات قلبها وازداد خوفها من نظرات مخاطبها) الحمدلله ، أخيرا عثرت على عربي يمكنني يمكنني التعويل عليه
- (مبتسما ومقتربا منها حين منعته وفرضت عليه العودة إلى مكانه) تفضلي اختاه، ما شأنك؟
فقصت عليه حكايتها كيف قدمت مع مجموعة في رحلة إلى هنا، وكيف خرجت معهم في نزهة هذا الصباح وتأخرت عنهم حين ولجت المغازات المنتشرة هنا وهناك ولم تنتبه إلى الوقت إلى أن غادروا المكان بدونها ولم يفتقدوها وهي لا تعلم اسم النزل او مكانه غير تواجده في موسكو.
فهدأ من روعها و وعدها بالبحث معها عن بقية أفراد مجموعتها (بما انه مقيم في روسيا منذ عقود ويعلم تقريبا مسالك مثل هذه الرحلات في هذا المكان)، فاتجها صوب "الميدان الأحمر" (وهو في شكل مربع يقع بين سوق تجاري تاريخي شهير في موسكو "كيتاي جورود" وبين قصر الكرملين) أين وجدا افراد المجموعة بين التسوق والتجول واخذ الصور التذكارية.
وقبل ان يتركها تلتحق برفاقها أراد أن يتقرب منها ويحصل على أكثر معلومات ومعطيات عنها قبل أن يستدعيها لاحقا للعشاء في مرحلة أولى (ولم تكن نيته صافية بالمرة إذ كان ينوي استدراجها لبيته والنيل منها )، فعرًّفها عن نفسه واصله وفصله مثلما نقول، إلى أن قال لها انه مسيحي الديانة، ففرت بسرعة جنونية واحتمت بابناء بلدها وهي تستعيذ من الشيطان وتحمد الله وتشكره على ابتلاءات هذا اليوم.
وما هي إلا لحظات حتى قصت على زميلتها وصديقتها ما حدث لها هذا اليوم (وقد غادر المسيحي المكان بعد أن تعرف على فتاة أجنبية حسب الملامح والهيئة والملبس والشعر والعينبن) ،ثم ارفدت ولا تزال تلهث:
- يا له من يوم، يهودي ثم مسيحي لأجد المسلمين الذين أتيت معهم بعد عناء ومغامرات لن تنمحي من مخيلتي
- (مبتسمة ومربتة على كتفها برقة وحنان) لم أفهم سبب هذا الخوف والتوجس والتردد يا إيمان
- (إيمان وهي تحملق في عينيها) اتريدينني ان اتحدث إليهم وهم من ديانة أخرى؟
- (بثقة في النفس) وما العيب في ذلك؟ فأنت تطلبين خدمة معينة لا أكثر، انت تائهة في بلد غير بلدك ولا تعرفين عنه شيئا ووجب عليك ايجاد حل لما وقعت فيه، فأين المشكل من التعامل مع أي نوع من البشر في مثل هذه الظروف؟
- (بعد تفكير عميق) خفت بصراحة وانتابني شعور الانتماء إلى الأمة الإسلامية وكما نعلم "الدين عند الله الاسلام"، وما غاضني ما فعلوه ويفعلونه مع المسلمين في كافة اصقاع الدنيا
- (مستهزئة) أ وليست اليهودية والمسيحية ديانات سماوية؟ فموسى وعيسى عليهما السلام نبيان من أنبياء الله اصطفاهما كغيرهم من الأنبياء لنشر دين التوحيد ومبادئه وقوانينه التي تجتمع في مجملها على نفس المبادئ والقيم والقوانين لولا تحريف التوراة والإنجيل وتشويههما من قبل أعداء التوحيد
- (مقاطعة بشدة) لكن القرآن لم يحرف وهو محمي من الله عز وجل
- (مواصلة) لذلك جعله الله مرجع البشرية ودينها الشامل وقال في كتابه بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم "اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" (المائدة ٣). ولا تنسي ان اليهود والمسيحيين يعيشون معنا حتى في اوطاننا ويحملون نفس جنسيتنا من قديم الزمان، فهل ننفرهم ونطردهم لمجرد ديانتهم وتشبثهم بها وبفحواها وتفاصيلها ونتعامل مع المسلمين فقط الذين فرط بعضهم في الإسلام وقيمه ومبادئه السمحة وبات بعيدا كل البعد عن الإسلام الحق؟هل نقسم مجتمعنا ونفتته ولا نحاول استقطاب الغير وندخله إلى الاسلام؟ انظري مثلا، النظافة هنا وحسن التعامل والمعاملات والابتسامة الدائمة وكيفية التواصل والتعايش وغيرها،أليست قيمنا ومبادئنا في الأصل ؟ هل نجدها في مجتمعاتنا مثلما نجدها هنا في بلد "الكفار" ؟لماذا ابتعدنا عن اللب وتمسكنا بالقشور؟

تعليقات
إرسال تعليق