امل بومعرافي خيرة غيابك موت مؤجل
غيابك موت مؤجل
كان خبر الوفاة كالصاعقة ينزل على مسمعي. أصبت بالذهول. فقدت عقلي. خرجت أركض. كنت أعدو على أرصفة الطرقات. وعيناي اغرورقت بالدموع. أصيح كالمجنونة. مات أبي مات أبي. تمسك أمي بيدي تهدئني. يأخذني أخي بين ذراعيه يقول
ها أنا هنا أسد مكانه. على تلك اللمسات والكلمات التي كانت كمعقم على جرحي العميق هدأت. لكن بعدما أدركت رحيلك يا أبي عدت إلى مالا نهاية من الحزن. فقدتك. فقدت كل جميل. كنت أختبئ بين ضلوعك وأتسند على كتفك أتدفأ بمعطف حنانك. اليوم أصبح كتفي باردا لا سند ولا ظهر أحتمي فيه. معطفك لم أجده ليقيني من برد الشتاء القارص. أمي أصبحت تشبهك أنت تحت الثرى وهي على قيد الحياة بلا حياة. حتى أخي الذي وعدني بعد رحيلك خان الوعد. غادرني هو اليوم بجوارك وليس عنك ببعيد. ربما التقيته. هل عاتبته يا أبي.؟ لماذا يتركني ويرحل.؟ فقدتك مرتين يوم رحيلك ويوم غادرني أخي. كلما آتي لزيارتك أبحث عنك بين القبور لكن لا أجد قبرك. فأقف على أي قبر وأدعو لك وأمد بصري بين القبور لعلي أجده وأمليء نظري بذلك التراب الذي ترقد تحته.
ثم أعود أجر أدراج خيبتي ككل مرة أزورك فيها. أنزوي في ركن من أركان البيت وحيدة والحزن يملاء قلبي. وروحي ثكلى بالمواجع. فأهرع إلى حضن أمي لأحتمي إليها وأسد رمق هزائمي. لكن هيهات على حضن لا يكاد يجمع شمله. ولا يعلم بحاله إلا الله. فأكتوي بنار الفقد مرة آخرى. بعد رحيلك الأبدي يا أبي فقدت حضنك وفقدت حضن أمي الحاضرة الغائبة عن الدنيا. كل الأحبة بعد رحيلك غادروني و رحلوا تركوني أصارع القدر لوحدي. أموت ألف مرة عندما ألتفت ولا أجد منكم احدا. أسير إلى طريقي المجهول في متاهة الفقد. فيغتالني الشوق ويأسرني. فأسقط كالمغشي عليه ثم أسترد وعيي المفقود بتنهيدة تكاد تفجر صدري. وأستعيد أنفاسي. هنا أحاول أن أقف من جديد .أتمسك بذكراكم لأجمع ماتبقى من أشلائي المندثرة هنا وهناك . أرفع يدي إلى السماء بالدعاء وأوجه وجهي إلى الذي لا يغيب. ولا يموت وإلى من هو السند للذي لا سند له. ويبقى الموت وجع لا يرحل عندما تعود بي الأفكار وذاكرة الحنين.
فيهزمني القدر. يسكنني كهوف التيه.
أسراب الذكريات وأطياف الحنين تحوم سحائبها على مرمى الذاكرة فتشعل فتيل الشوق. فتحرقني نار الفقد تغتالني ألف مرة عندما تمر ولا أجدك .
ثلاثون عاما وزيادة من التشرد ومازلت أعيش بين شوارع الضياع.
أبي أنت بالقلب حب لا ينتهي وحي لا تموت
أبي غيابك جرح لا يطيب وموت مؤجل إلى أن ألقاك. ...الملكة
امل بومعرافي خيرة

تعليقات
إرسال تعليق