نهلة دحمان{كل شيء عند الله بمقدار

 


كل شيء  عند الله بمقدار


هاهي تسب وتلعن،تزجر و تزمجر  وتدعي على سائق الأجرة بالهلاك  والشرور.كانت حاملا في شهورها الأولى .مزاجها جد معكر خاصة أنه حملها الأول و تجربتها الأولى مع الزواج و العمل المرهق و الغربة.

كانت تنتظر بفارغ الصبر العودة إلى الأهل و الديار .

يوم عرفة ،يوم شتوي بامتياز .تكاد ضلوعها تتجمد و هي تنتظر سيارة الأجرة الفردية التي ستقلها من تلك المدينة إلى مدينة مجاورة حيث ستقل من هناك سيارة أجرة جماعية لتأخذها إلى بلدة  أهل زوجها لتسافر في اليوم التالي يوم العيد إلى بلد آخر أين ولدت و ترعرعت  ودرست ،أين عائلتها و أهلها  وأصدقاؤها أين الدفء و المحبة  والسكينة والذكريات ،أين الحياة،لتعود في نفس اليوم إلى البلد الذي صارت تقطن فيه و تعمل.

مجرد التفكير فى هذه الرحلة المطولة في وقت وجيز يؤرقها و يقلقها و يزيد من توترها و يضاعف إحساسها بالضغط و الحنق.

الوقت يمر و موعد الإفطار يقترب وهي واقفة على الرصيف تنتظر سيارة الأجرة .تعبت و بردت 

 و جاعت فهي صائمة.توقفت سيارة الأجرة فرحت وظنت إن سهل الله المخرج و حان الفرج تحركت مسرعة الخطو في اتجاهها وسبقها زوجها إليها وما راعها إلا أن رأت السيارة تتحرك من جديد ليعلمها زوجها أن سائق التاكسي رفض أن يقلهما بسبب حقائبهم الكثيرة. ماالعمل؟الوقت يمر و عقارب الساعة تجري .ومتى توقفت عقارب الساعة عن الجريان ؟ومتى عاد الوقت إلى الوراء؟حاول زوجها أن يهدئ من روعها و أن يخفف من حدة توترها قائلا

َلعل فيها خيرة ،كل توخيرة فيها خيرة.

زمجرت و اشتعلت غاضبة و أجابته حانقة 

بربي وين ترى فيه الخير؟ الليل بش يطيح و احنا مطيشين في بلاد الناس ما نعرفوا حد و شقان الفطر قريب و الدنيا كلها تو تسكر...

تأففت و لعنت الحظ العاثر و سائق التاكسي الذي بعد أن منحهم الأمل منعه عنهم و أعرض و تولى و أدبر ما الحل؟كل لحظة تمر هي ليست في صالحهما. 

بعد أن استبد بهم اليأس قررا الذهاب إلى محطة الحافلات  وانتظرا الحافلة التي ستقلهم إلى المدينة المجاورة حيث يقلان من هناك سيارة أجرة جماعية... وصلا محطة النقل فوجدا ًاللواج ًخرج للتو 

فزمجرت و غضبت و لعنت من جديد الحظ العاثر و سائق التاكسي الذي رفض أن يقلهما و سبب لهما كل هذا التأخير.انتظرا مطولا حتى سهل الله المخرج .وفي الطريق استفاقت على أصوات الفزع و الصياح.  سائق اللواج و المسافرين الذين يرافقونها يرددون في فزع و ذهول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم  الله أكبر  ،يا لطيف ،إنا لله وإنا إليه راجعون .

تفتح عينيها فإذا بالمشهد أمامها مفزع صادم.إنها سيارةً اللواج ًالتي لم تلتحق بها، بسبب سائق التاكسي ،متقلبة و كل من فيها لقوا حتفهم...

وها هي تحمد الله و تشكر  سائق التاكسي و هي تردد كل شيء عند الله بمقدار.


نهلة دحمان


الأحد 19/12/2021

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضوء من الغياب /الشاعر المغربي بالمهجر د.الحسين كحيل (من أكادير)

الشِّعرُ والنثر حَول : ".. ورَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا "☆ (بقلم : محمد وهيب علام ☆و☆الأديبة حليمة بلبل)

نور في القلب يسطع/بقلم سعاد سعدي