امرأةٌ بِقَرْيَةٍ / ( كمال الوحيشي)

 امرأةٌ بِقَرْيَةٍ / ( كمال الوحيشي)



تراها، مع أنفاس الصّبح الأولى تسعى بين منزلها وقنّ دجاجاتها تنثر لها بعض الحَبّ. قبل أن تفتح لها الباب مع بزوغ الشّمس لتجوب الحقل نابشة أرضه علّها تعود بطانا. كانت الدّجاجات لا تبتعد كثيرا حتّى ترجع إلى البيت لتجد المزيد من حبّات القمح في انتظارها فتجود بما عندها من بيض وكأنّها تردّ الجميل لصاحبتها. كانت هذه البيضات أفضل مصدر للمال بالنسبة لخالتي "خدّوجة"، كما يحلو لأهل قريتنا مناداتها، فهي تجد متعة في تربية الدّجاج والعناية به رغم أنّ أبناءها لا يبخلون عليها بما يلزم بطلب منها أو دونه. خالتي خدّوجة، امرأة في السّبعين من العمر. مازالت إلى اليوم تحتفظ بمظهرها التّقليديّ وتعتني بلباسها جيّدا. لم تغيّره رغم تغيّر كل شيء من حولها. نحبّها، نحن الصّغار ونجلّها ، كما الكبار. لم يسلم من ذؤابة عكّازها أحد،تفاجئك بضربة منه إن أنت فعلت ما يسوء أو قرصة من أذنك قد يطول ألمها أحيانا. لم نكن نغضب منها البتّة، كانت تشاركنا أفراحنا وأتراحنا. حضورها يزيد الأفراح بهجة ومواساتها تخفّف الأحزان. تجمعنا، أحيانا، نحن الصّغار لتحكي لنا حكايات قديمة نستمتع بها ونطلب المزيد. صارت معرفة الخالة خدّوجة مقياس الانتماء إلى القرية، فمن لا يعرفها فهو ليس منّا.

اليوم، تستعدّ لاستقبال أبنائها، في موعد أسبوعيّ قارّ. يتجمّعون عندها لساعات طوال يأكلون من طهو يديها. كانت تحرص على ذلك فتذبح لهم من دجاجاتها وتعدّ بها كسكسا لا يتوانون في التهامه ولا يتغيّبون عن موعده أبدا. دأبت على هذه العادة مذ تزوّجوا جميعا وغادروا البيت. أبت أن تغادر مع أحدهم رغم محاولاتهم. فهي المنزل والمنزل هي.  بناتها الثّلاثة يأتينها، بانتظام وبالتّداول ،يتفقّدنها ويتعهّدنها والبيت بالرّعاية. لكنّهنّ لا يخلفن هذا الموعد الأسبوعيّ لأنّ أخاهنّ الوحيد يلتحق بهنّ وزوجته من المدينة...


( كمال الوحيشي)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضوء من الغياب /الشاعر المغربي بالمهجر د.الحسين كحيل (من أكادير)

الشِّعرُ والنثر حَول : ".. ورَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا "☆ (بقلم : محمد وهيب علام ☆و☆الأديبة حليمة بلبل)

نور في القلب يسطع/بقلم سعاد سعدي