منار أبو محيميد فلسطين. بسم الله الرحمن الرحيم


 بسم الله الرحمن الرحيم

ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون )

لقد خلق الله سبحانه الإنسان في أحسن تقويم وأنعم عليه بنعمة العقل فجعله يميز بين الحق والباطل وبين له طريق الهداية وطريق الضلال (وهديناه النجدين) وهو بذلك مسؤول عن اختياره (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) فمن المعقول أن الإنسان عندما يعرض عليه أمر ما فإنه يستطيع أن يحكم عقله فيرى حقيقة ذلك الأمر  لكن رغباته الشخصية ومصالحه الدنيوية تسعى إلى قلبه تلك اللحظة فإن كان إنسانا مؤمنا سويا فإنه يحكم بالحق وإن كان متكبرا جبارا فإنه ينزل ذلك الأمر تحت مصالحه وشهواته فإن لم يوافقها الأمر أنكره وجحد به 

نعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصددها (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون)

تخبرنا الآية الكريمة أن المشركين لم يؤمنوا بهذا القرآن في أول مرة عرض عليهم وصدوا عنه فكان أن قلب الله قلوبهم وأبصارهم عنه إلى الأبد وتركهم في طغيانهم يعمهون فمهما تأتيهم من آيات لن يؤمنوا بها أبدا (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم)

فهم علموا أن هذا القرآن هو كلام الله لكنهم قلبوا أبصارهم وقلوبهم عنه افتراء على الله فجازاهم الله بما افتروا عليه أن جعل قلوبهم وأبصارهم تتقلب عن الحق فهم في الضلالة لاهون حتى يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون

السؤال المطروح الآن :كيف يترك القرآن  انطباعا حقيقيا في أول مرة يعرض فيها على الإنسان ويكون حجة عليه ؟؟؟؟؟

إننا وإن أردنا أن نقدم على وظيفة في مجال ما فلا بد لنا من اجتياز مقابلة شخصية نبذل فيها قصارى جهدنا أن نعطي انطباعا جيدا صادقا عنا فكيف بالقرآن الكريم!!!؟

إن القرآن الكريم ليقدم للإنسان نفسه فيراها بخيرها وشرها في صورتها الحقيقية والتي يسعى الإنسان دائما لأن يخفيها عن الآخرين وإذ بالقرآن يكشفه أمام نفسه وكأنه ينظر إليها ترجمها  القرآن من صورة حية إلى كتاب مسطور فإن أنكر الإنسان وكفر بالقرآن فإن قلبه وبصره وكل جوارحه تكون قد وجدت ذاتها في القرآن وآمنت بنفسها فعلمت أن ربها الله وأن القرآن كلام الله وبذلك يكون القرآن في أول مرة قد تمكن من قلب الإنسان وبصره 

.......ولأنه وفي أول مرة..... تلقى الإنسان الصورة واضحة على حقيقتها دون تدخلات من هنا وهناك لتزييفها وإثارة الشبهات حولها .

........ولأنه في أول مرة....... استقبل الإنسان كلام الله بفطرته التي فطره الله عليها  فاستطاع أن يعلم علم اليقين أن هذا القرآن هو كلام الله حيث النفس الأمارة بالسوء لم تتهيأ بعد لبث رغباتها حتى يستدعيها الإنسان  فتذهب به إلى متاع الدنيا وتمنيه فيكبر عليه ما يدعوه إليه القرآن من اتباع الحق (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) 

وبذلك يكون الإنسان اختار  الإنكار والضلال وكلنا نعرف عن الوليد بن المغيرة أحد رؤساء قريش عندما سمع القرآن في أول مرة فقال مادحا القرآن: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق لكنه مال عن الحق فانقلب على عقبيه (ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً) فنزلت فيه آيات الله في سورة المدثر حيث قال سبحانه : (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر لواحة للبشر عليها تسعة عشر )

على ضوء ذلك يكون القرآن قد أقام الحجة على كل فؤاد وبصر إنسان  عرض عليه في أول مرة فيطبع الله على كل قلب متكبر جبار .


منار أبو محيميد فلسطين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضوء من الغياب /الشاعر المغربي بالمهجر د.الحسين كحيل (من أكادير)

الشِّعرُ والنثر حَول : ".. ورَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا "☆ (بقلم : محمد وهيب علام ☆و☆الأديبة حليمة بلبل)

نور في القلب يسطع/بقلم سعاد سعدي