حين يخذل الجسد. /بقلم طواهري امحمد

 


حين يخذل الجسد.

بقلم طواهري امحمد

حين يخذلك الجسد وتصبح حكاية تسير على عكاز او مددة على سرير، حين يخذل الزمن وتتسكع في عتمة المدينة وتسلل مع عكاز في كفن الليل. تنتظر اللحظة الرحيل عن هذا الزمان عابرًا كما قد يبدو، فهنا تركت شيئًا من أماني، وبعثرت بعضًا من أحلامي بين اللحظات، حتى غدت الذكريات تعرفني كما أعرفها، وتأنس بي كما آنست بها، قبل ما أصاحب آخر ما تبقى من إرادة الموت.

حين يخذلك الزمن، يفرض سطوته على الأيام، ويعيد ترتيب الأولويات قسرًا، لا خيارًا… فبسبب ما يلقاه هذا الجسد من صعوبة في المشي وحركة التكيف، تجدني مضطرًا للتوقف هنا، ما بين الحياة وخيال الموت أسترد بعضًا من إنسانيتنا المفقودة من تلك الأسئلة الصعبة المستعصية. لا لأن الرحلة انتهت تمامًا، بل لأنني أحتاج أن أستعيد ما تبقى من القدرة على الاستمرار من أجل هذا الجسد الضعيف وأطرق النواقيس التي تصدر أجراسًا وأدفئ عظامي بضوء الشمس.

حين تخونك الصحة وتنشئ حياة جديدة لا يشعر بها إلا من ذاق مرها وفقدنا جزءًا من نفسه، تمشي بعكاز في ظل الخائفين من الضوء، سيسرق منك الأحلام المؤجلة، تعيش العزلة عند عتبة الباب أو عند ستار النافذة، حين لم تعد العيون تعكس الضوء بل تشهق مع فتيل النور قبل أن يغرقها سواد الظلام تمامًا. من يخونه جسده سيعيش على حافة الزمن على هوامش الأشياء والأسماء حيث تلتحف الصمت غطاء نجاة ، وتتسلل في بيت عزلت نفسك تردد قصصًا وروايات وحكايات محملة بثقل الذكريات مغموسة داخل جب وعمق روحك لوحدك .

سأمضي… لا مبتعدًا عن الحلم، بل مهاجرًا به إلى أوقات وزمن أخرى، حيث ستكون روحي حاضرة في زمن آخر وصفحات الغد، حيث سوف أعيش ما بعد الحياة، لعلها تجد امتدادًا جديدًا، وصوتًا آخر يعبر بها نحو مستقبل أرحب ورحمة أوسع، تكون حصنًا بل نافذة وشرفة مفتوحة إلى الجنة لهذا الجسد مع الروح من كرم الله.

سأغادر هذا الزمان كما غادرنا أسلافنا بهدوء يشبه تعب الليل، وبقلب ممتن لكل من مرّ من هنا، وعاش معي، وشعر بي، وشاركني هذه الحياة وهذا الصمت الناطق بين الأيام، وقد أصغى مثلي إلى صوت ارتطام الرغبات نفوس في الشمس النهار وتلاطم أحلام الناس مع بعضها في مرايا الليل. كي يبقى الأمل في داخلنا حيًا، ينتظر لحظة عودة، حين يتصالح الجسد مع الزمان مع القلب، وتعود الأحلام أكثر دفئًا وصدقًا قبل أن نصبح حكاية تمشي على عكاز في عتمة مدينة .
يتبع
بقلم طواهري امحمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ضوء من الغياب /الشاعر المغربي بالمهجر د.الحسين كحيل (من أكادير)

الشِّعرُ والنثر حَول : ".. ورَضِيتُ لكُمُ الإسلامَ دينا "☆ (بقلم : محمد وهيب علام ☆و☆الأديبة حليمة بلبل)

نور في القلب يسطع/بقلم سعاد سعدي