منى دوغان جمال الدين}{ المرآة العجيبة
المرآة العجيبة
ها هي تدنو من مرآتها العجيبة...
العيون شاخت وذبلت، والعمر تقهقر وراء الجدران البائسة التي تصدعت وبهتت مع مرور الايام. الغبار يلف المكان، يعبق في هذه الغرفة المعزولة عن الزمان. جمود يغمر مقام ناتاليا، لا شيء يتحرك. عقارب ساعتها لم تعد تأنس لدقات الثواني ولم تعد تأبه لدوران الأرض في الفلك، وكأن الحياة توقفت عند منتصف العقد الثالث. وحده العنكبوت يغزل في الزوايا المنسية خيوطه، عله يفلح بتذكير الأمة العجوز أن العمر قد مضى وأن الشمعة على وشك ان تذوب.. وان الشعلة الأخيرة تعد الايام قبل أن ينطفئ نورها.
لكن ناتاليا المنسية لم تعد ترى غير مرآتها العجيبة، فتتوهم أن قدها المسبوك يتوق إلى الفستان الحريري الأبيض المزركش بالورود والزهور؛ تراقصه ليلا وتدللـه نهارا، ثم تقترب من مرآتها فلا ترى سوى طلة بهية تغازل عيونها العسليتين.
برفق تكحل جفونها فتروي تعطشها لعيون العشرينيات. ثم تطلي خدودها بحمرة الشفق حتى تغدو وكأنها احمرت من شدة خجل صبية في ربيع العمر. تضع حمرة خمرية على شفاهها فتبتسم ابتسامة عريضة قبل أن تعقد على خصرها منديلاً شفافاً معطراً، ثم تضع عقدا فيروزي اللون على جيدها.
تخرج إلى شرفتها لتحتسي كعادتها قهوتها الصباحية، تنظر إلى المارة والجيران تنتظر منهم نظرة اعجاب أو همسة غزل... ويطول الانتظار... ويطول... لتعود إلى غرفتها بعد أن تطيبت بنور الشمس الصباحي وتودعها قبل أن تغيب في الأفق البعيد.
تتوالى الايام وناتاليا تعيش وهم عقد العشرينيات، والمرآة العجيبة تصنع من الاكذوبة حقيقة فتصدق صاحبتها أنها مازالت شابة بهية الطلعة.
إلى أن جاء يوم واصيبت المرآة بشقوق. تملّك ناتاليا الهلع فركضت تبحث عن حل لتصلح مرآتها.
وقفت حائرة أمامها متسائلة: ما الحل؟... شردت قليلا قبل أن ترى صورتها الحقيقية: التجاعيد انقضت على وجهها الشاحب ورأسها اعتمر الابيض وعيناها بهتتا وفقدتا بريقهما.
أصيبت بصدمة شديدة ثم راحت تكيل الغرفة ذهابا وإيابا تبحث عن ضالتها. اصيبت بالجنون حتى باتت تحادث نفسها ليل نهار، غير آبهة بما آلت اليه من فعل الزمان. تسائل نفسها: أين ناتاليا التي عرفها الناس؟ أين ناتاليا الصبية الجميلة التي تبهر العيون؟
الحقيقة مرة...
لكن من شبّ على شيء شاب عليه. وناتاليا صدقت الأكذوبة حتى باتت تتقبل الخدعة التي انطلت عليها والتي روضتها طوال تلك السنين قبل ان تنجلي الحقيقة...
****
منى دوغان جمال الدين
تعليقات
إرسال تعليق