قصة: الكمال والنقصان /بقلم :ماهر اللطيف (تونس 🇹🇳)
الكمال والنقصان
بعد أن أتم مراجعة دروسه اليومية كالعادة، سألني إبني وكنت بصدد مشاهدة مباراة في كرة القدم في قاعة الجلوس وأمه تبحر في العالم الافتراضي مع اصدقائها وكذلك ابنتي الكبرى واختها التي كانت تلهو بلعبتها في انتظار حلول موعد نومها:
- ما الفرق بين الكمال والنقصان؟
- (ملتفتا إليه ومتفاجئا من السؤال الذي ورد دون سابق إعلام أو موضوع ممهد له) الكمال لله والنقصان لبقية مخلوقاته بني. لا يمكننا أن نتطرق إلى هذا الموضوع دون أن نستشهد بأية الكرسي التي تثبت عظمة الله وكماله والمامه بالصفات العظمى والكبرى الخاصة به دون غيره،فقولنا "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض..." دليل على وحدانيته وعظمة سلطانه وجلاله
- (متعجبا ومسمرا نظره فيا) الا يمكن الحديث عن الكمال لدى الإنسان؟
- (مستعينا بيدي للتفسير والتوضيح) كما اسلفت الذكر، فإن الكمال لله دون سواه، فيما يتمتع خلقه وخاصة البشر بالكمال الذي يجزئونه ويقسمونه على مراحل طيلة تواجدهم على الأرض
- (مقاطعا بشدة) لم أفهم، هل لك أن تفسر لي أكثر؟
- (ضاحكا وفاركا كفي يدي بقوة) حاضر بني، حاول التركيز وفهم قولي لتفقه محتواه وتدرك معانيه
_ (مشيرا برأسه) وهو كذلك
- (بكل روية وثقة في النفس) الحياة كمال لكنها تتجزأ إلى أجزاء تسهم في النقصان أو تفريعه إلى قطع أو محاور مثل الخير والشر، الحلال والحرام، الفرح والحزن،... وكل المتناقضات التي نعيش نراوح بينها في هذا الكون من الولادة إلى الممات ،فنبحر في مياهها ونسبح كل حسب امكانياته ومعرفته وقدراته وغيرها
- (مركزا أيما تركيز) هذا ما نطلق عليه النسبية أبتاه؟
- (مبتسما) نعم، الكمال لله والنسبية لمخلوقاته، فكل شيء نسبي في هذا الكون وإن بدا بلوغه للكمال الذي لا يتصف به غير الكامل سبحانه وتعالى
- (بكل ثقة في النفس) هل هذا هو سبب الحساب غدا؟ لأن الكمال لا يمكنه أن يؤدي إلى الخطأ والغلط وغيرهما؟
- (مفتخرا به) نعم بني، فلا يمكن لله ان يحاسب كاملا غير مؤهل للخطأ عكس المعرض للخطأ والصواب والخير والشر وغيرها، بمعنى التعامل مع أو ضد الجزئيات والمتناقضات و الأخذ منها والاعتبار او الحذر والامتناع عنها، وبالتالي فإننا كبشر نكتب صحفنا لنقرأها غدا أمام محكمة العادل من خلال تعايشنا مع هذه الثنائيات....
ومازلنا كذلك نخوض في هذا الموضوع ونستمتع حتى لاحظت دهشة إبني وعدم تركيزه ومتابعته لباقي حديثي، فسكتت قليلا وأنا استرجع تركيزي أثناء حصص الفلسفة في زمن التعليم الثانوي، فقد كان الأستاذ يفسر ويحلل ويستشهد ويحاول دمجنا في عرض درسه ليكسب اهتمامنا وتركيزنا، فكنت اتابع باهتمام في البداية قبل أن أفقد كل قدرة على استيعاب بقية الدرس فاطير في سماء عالم آخر غير عالم المعرفة فافقد كل معلومة وعبرة وحكمة ودرس وأخرج من الحصة خالي الوفاض كما ولجتها في بداية الحصة.
فابتسمت وناديت إبني بصوت عال طالبا منه المغادرة للنوم بعد أن نال منه التعب وإمكانية مواصلة الحديث غدا بإذن الله.
-------—-------------------------------------------------------------------
بقلم :ماهر اللطيف (تونس 🇹🇳)

تعليقات
إرسال تعليق